مقترح تقني من الجيل السادس الى DGST… من قاعة القيادة والتنسيق 2.0 إلى منصة الأمن الذكي 6.0

لقد أثبتت المديرية العامة للأمن الوطني، مرة أخرى، أنها من بين المؤسسات الوطنية الأكثر مواكبة للتحول الرقمي، من خلال إطلاق الجيل الثاني من قاعة القيادة والتنسيق بولاية أمن الرباط، والذي يمثل قفزة نوعية في توحيد منظومات المراقبة الحضرية، وإدارة نداءات النجدة، وتنسيق التدخلات الأمنية، واستثمار البنية التحتية الرقمية الحديثة.
غير أن التطور العالمي المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات وانترنت الأشياء يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تقدما، لم تعد تعتمد فقط على الرقمنة، بل على الاستقلالية الذكية في اتخاذ القرار، ومن هذا المنطلق، فإن الخطوة الطبيعية التالية ليست الانتقال إلى الجيل الثالث أو الرابع، وإنما بناء منصة الأمن الذكي من الجيل السادس، وهي منظومة أمنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي الوكيل AI Agent بوصفه شريكا رقميا يدعم العنصر البشري في تنفيذ المهام المتكررة والتحليلية، مع بقاء القرارات الحساسة والخاضعة للمساءلة تحت إشراف الإنسان.
من المؤكد أن الجيل الحالي يعتمد على استقبال المعلومات وتحويلها إلى المشغلين، بينما يقترح الجيل السادس وجود وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين يعملون بصورة متوازية داخل قاعة القيادة، فيمكن للمديرية العامة للأمن الوطني ضمن هذا الجيل أن تخصص وكيل ذكاء اصطناعي لتحليل مكالمات النجدة، وآخر لتحليل الصور والفيديو، وثالث لتوقع المخاطر الأمنية، ورابع لتنسيق توزيع الدوريات، وخامس لإعداد التقارير الفورية، وسادس لمراقبة أداء الشبكات والأنظمة المعلوماتية… بهذا تتحول القاعة من مركز يستقبل الأحداث إلى منظومة تستبقها وتحللها وتقترح أفضل السيناريوهات التشغيلية، مما يقلل زمن الاستجابة ويخفف العبء عن المشغلين ويرفع جودة اتخاذ القرار.
من المعروف أن مدينة الرباط، تضم اليوم أكثر من 1400 كاميرا مراقبة، إلا أن مفهوم المدينة الذكية يقتضي أن تصبح جميع التجهيزات الميدانية مصادر بيانات آنية، ولهذا يمكن ربط المنصة الأمنية بشبكة متكاملة من أجهزة انترنت الأشياء، تشمل كلا من الكاميرات الذكية، إشارات المرور المتصلة، أجهزة استشعار الازدحام، أجهزة قياس جودة الهواء والدخان للكشف المبكر عن الحرائق، أجهزة استشعار الضوضاء لرصد الحالات غير الطبيعية، أجهزة تحديد مواقع دوريات الأمن، الطائرات بدون طيار المرتبطة مباشرة بمركز القيادة، الروبوتات الأمنية برتب متفاوتة في بعض المواقع الحساسة… وبذلك تصبح المدينة نفسها شبكة استشعار أمنية تعمل بشكل متواصل وترسل بياناتها إلى منصة موحدة.
في نفس السياق، يمثل مركز تخزين البيانات بالنسخة الحالية أساسا قويا، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم البيانات المخزنة، وإنما في القدرة على استخراج المعرفة منها، لهذا من الضروري التفكير في بناء منصة وطنية لتحليلات البيانات الأمنية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف تحليل الأنماط الإجرامية، توقع أماكن ارتفاع المخاطر الأمنية، دراسة توزيع الجرائم زمنيا ومكانيا، تحسين توزيع الموارد البشرية واللوجستية، التنبؤ بأوقات الذروة في طلبات النجدة، دعم التخطيط الأمني المبني على البيانات الوصفية والجيومكانية… بذلك تنتقل المؤسسة الأمنية من إدارة الأحداث إلى استباقها علميا.
بما أن مدينة الرباط قد احتلت مركزا مهما ضمن تصنيف المدن الذكية طيلة اربع سنوات، فبإمكانها إنشاء نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد يتم تحديثه لحظيا اعتمادا على بيانات الكاميرات وانترنت الأشياء والدوريات الأمنية، حيث يتيح هذا النموذج محاكاة الحوادث قبل وقوعها، اختبار سيناريوهات إدارة الأزمات، توقع آثار إغلاق الطرق أو تنظيم التظاهرات، تحسين انتشار الفرق الأمنية وأخيرا دعم القيادة في اتخاذ القرار خلال الطوارئ… وبذلك تصبح المدينة قابلة للمحاكاة والتحليل قبل تنفيذ أي قرار ترابي ميداني.
وعلى ذكر كاميرات المراقبة وعلاقتها بالصورة والفيديو، ارى أنه بدلا من الاعتماد على المراقبة البشرية المستمرة، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل البث المباشر من الكاميرات واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية، مثل التجمعات المفاجئة، المركبات المتوقفة في أماكن غير اعتيادية، الأشخاص المطلوبين وفق الأطر القانونية والتنظيمية، الأجسام المتروكة، الحوادث المرورية، الحرائق والدخان ثم السلوكيات الخطرة التي تهدد الأمن والنظام العام… ويقتصر دور المشغل البشري في هذا الشأن على مراجعة التنبيهات المؤكدة واتخاذ القرار المناسب في الزمن الواقعي.
وعلى ذكر المشغل البشري الذي أرى أنه من غير المعقول أن لا يكون له مساعد ذكي يستوحي مهامه من ادوات يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي الوكيل، وهنا يمكن تزويد كل مشغل داخل قاعة القيادة بمساعد ذكي قادر على تلخيص مكالمات النجدة، اقتراح أولويات التدخل، البحث الفوري داخل قواعد البيانات، إعداد التقارير آليا، ترجمة المكالمات عند الحاجة، تحليل الوثائق الأمنية ثم الإجابة عن الاستفسارات التشغيلية… يبقى الرهان دائما هو رفع من مستوى الأداء ثم الإنتاجية مع الحفاظ على دور العنصر البشري في الإشراف واتخاذ القرار، فالعنصر البشري في جميع الاحوال قد تسند له مهام اتخاذ القرارات الحاسمة لكن حسنما يتعلق الأمر بمبدأ التداول على الخدمة وضمان استمرارية المرفق وصيانته، هنا يستدعي الأمر بصدق استخدام وتوظيف مهارات الذكاء الاصطناعي، سواء في مراقبة حالة الكاميرات والخوادم وشبكات الاتصال والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، بما يضمن استمرارية الخدمة وتقليل الانقطاعات.
فيما يتعلق بالامن السيبراني ضمن هذا المخطط الوطني للحكامة الأمنية الذكية، فإن السائد والمتعارف عليه أنه كلما ازدادت رقمنة المنظومة الأمنية، ازدادت الحاجة إلى حماية بنيتها الرقمية، ولهذا اقترح اعتماد أنظمة ذكاء اصطناعي متخصصة في الأمن السيبراني، تكون قادرة على كشف الهجمات الإلكترونية في الزمن الواقعي، مراقبة السلوك غير الطبيعي داخل الشبكات، حماية قواعد البيانات، الاستجابة الآلية للحوادث السيبرانية ثم تقييم المخاطر بشكل مستمر.
وعلى ذكر الحكامة الأمنية الذكية، والتي تستوجب دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمل الأمني بما يضمن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، احترام القوانين الوطنية، إعمال الشفافية وقابلية التدقيق، إقرار الرقابة البشرية على القرارات الجوهرية، ضمان أمن النماذج والبيانات علاوة على الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة…
لقد نجحت المديرية العامة للأمن الوطني في تصميم واخراج قاعة القيادة والتنسيق 2.0 باعتبارها نموذجا متقدما للتحول الرقمي، غير أن الثورة الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي تتيح فرصة تاريخية للانتقال إلى مرحلة أكثر كفاءة وطموحا، تتمثل في تصميم مخطط وطني للحكامة الأمنية الذكية SNGSI، تتيح إنشاء منصة الأمن الذكي من الجيل السادس، بغية توحيد ادوار الذكاء الاصطناعي الوكيل AI Agent، وانترنت الأشياءIoT، وعلوم البياناتData science، والتحليل التنبئيPA، والتوأم الرقميDT، والأمن السيبراني CS في منظومة مندمجة، دامجة، متصلة ومتكاملة…
إن هذا المقترح المتواضع لا يعني استبدال رجل الأمن وتعويضه بالآلة، بل هو إعادة توجيه جهوده نحو المهام التي تتطلب القرار البشري والخبرة الميدانية، مع إسناد المهام المتكررة والتحليلية إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تعمل تحت الإشراف البشري، وبهذا تصبح المديرية العامة للأمن الوطني من أوائل المؤسسات الأمنية إقليميا وقاريا، التي تنتقل من مفهوم إدارة الأحداث إلى مفهوم استباقها وإدارتها بالاعتماد على البيانات الضخمة Big Data والذكاء الاصطناعيAI، بما يعزز أمن المواطنين ويرسخ ريادة المملكة المغربية في الابتكار الأمني والحكامة الأمنية الذكية.
ومن وجهة نظري الشخصية لا ينبغي أن تبقى قاعة الرباط مشروعا محليا فقط، بل من الواجب أن تتحول إلى نواة لمنصة وطنية ترابطية لجميع قاعات القيادة والتنسيق بالمملكة ضمن شبكة موحدة لتبادل البيانات والخبرات والاستجابة المشتركة للأحداث الكبرى خصوصا والمملكة المغربية مقبلة على احتضان فعاليات اقتصادية ثقافية ورياضية عالمية.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.