تأخر تفعيل منظومة الاستهداف الاجتماعي، أين الخلل؟

يشهد المغرب منذ سنة 2020، السنة التي ابتلي فيها العالم بجائحة كوفيد – 19، ثورة اجتماعية غير مسبوقة، هي عنوان للورش الوطني المهيكل المتمثل في مشروع الحماية الاجتماعية، الذي كان مبتدؤه دعوة جلالة الملك في الخطاب الافتتاحي للسنة التشريعية الجديدة يوم 9 أكتوبر 2020، إلى تعميم التغطية الاجتماعية على جميع المغاربة، وانطلق تنزيل هذا المشروع بالحفل الذي ترأسه عاهل البلاد بالقصر الملكي بفاس يوم الأربعاء 14 أبريل 2021.

وكان من أولى ثمار هذا الورش صدور القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية[1]، الذي استند للركائز الأربع لورش الحماية الاجتماعية الواردة في الخطاب الملكي لافتتاح السنة التشريعية 2021/2020[2]، وألزم القانون الإطار السلطات العمومية بالعمل على تعميم الحماية الاجتماعية داخل أجل خمس سنوات وفق الجدولة الزمنية الآتية:

ومن المنجزات التشريعية أيضا، التي ولدت سريعا صيف 2020 من رحم المعاناة مع الحجر الصحي وعززت تميز النموذج المغربي في مكافحة الوباء، القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات[7]، الذي ارتكز على ثلاث اختيارات أساسية هي:

أولا: السجل الوطني للسكان؛

ثانيا: السجل الاجتماعي الموحد؛

ثالثا: الوكالة الوطنية للسجلات؛

لقد كان السجل الاجتماعي الموحد إحدى “المنح” التي جادت بها الجائحة، فبعد النجاح الذي تجسد في توفير الدعم للفئات الهشة في المجتمع خلال مرحلة الحجر الصحي، ترسخت القناعة بتكريس هذا النجاح تشريعيا.

غير أنه كان من اللافت في الخطاب الملكي لعيد العرش للسنة الحالية 2022، وهو يستعرض ما تحقق من مكاسب وطنية كبيرة في معركة مواجهة أزمة كوفيد- 19، إشارته إلى التأخر الذي يطبع ورش السجل الاجتماعي الموحد، مما يساهم في تأخر تفعيل منظومة الاستهداف الاجتماعي برمتها، بقوله: “ولهذه الغاية، ندعو للإسراع بإخراج السجل الاجتماعي الموحد، باعتباره الآلية الأساسية لمنح الدعم، وضمان نجاعته.”

فما الذي يفسر هذا التأخر الذي أكدته أعلى سلطة في البلاد؟ وهل هناك عناصر أخرى من الخصاص ميزت تفعيل منظومة الدعم الاجتماعي التي أطرها القانون 72.18؟ وقبل ذلك ما هي رافعات هذا القانون تشريعيا ورقميا؟؟

هذا ما سنتناوله في المحورين المقبلين من هذه الورقة.

1.رافعات منظومة الاستهداف الاجتماعي:

  • الرافعات التشريعية:

يمكن، بحق، اعتبار القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات[8]، والذي يتألف من 45 مادة موزعة على 7 أبواب، إلى جانب القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، مفخرة تشريعية للمغرب، ويمكن تلمس أهم الاختيارات التشريعية النوعية التي أغنت النص الأول من خلال العناوين الآتية:

  • السجل الوطني للسكان:
  • إحداث السجل الوطني للسكان، ذي طبيعة رقمية، يمكن من توفير المعطيات الشخصية للمغاربة وللأجانب المقيمين بالتراب الوطني؛
  • منح “معرف رقمي”لكل مقيد في السجل الوطني للسكان، يسمى “المعرف المدني والاجتماعي الرقمي”؛

وتطبيقا للقانون 72.18، صدر المرسوم رقم 2.21.473 الخاص بالسجل الوطني للسكان[9]، الذي حدد مسطرة التقييد في السجل وخصائص المعرف المدني والاجتماعي الرقمي وكيفيات منحه، وكذا كيفيات توفير خدمات التحقق من صدقية المعطيات؛

  • السجل الاجتماعي الموحد:
  • يسجل في إطاره الأفراد الراغبون في الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، عبر بوابة “السجل الاجتماعي الموحد”، والهدف من السجل الاجتماعي الموحد المعالجة الإلكترونية للمعطيات الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بالأسر، وتنقيط الأسر بناء على معطياتها الاقتصادية والاجتماعية؛
  • تحدد هذه المعطيات والصيغة الحسابية التي يتم بها تنقيط الأسر وكيفيات تقييدها في السجل، بموجب نصوص تنظيمية أحال عليها القانون؛

وتطبيقا للقانون 72.18، صدر المرسوم رقم 2.21.582 الخاص بالسجل الاجتماعي الموحد[10]، الذي حدد كيفيات تقييد الأسر في السجل وحساب التنقيط، والإجراءات المتعينة عند تغير المعطيات المتعلقة بالأسر، وكيفيات التشطيب من السجل؛

  • الوكالة الوطنية للسجلات:
  • أحدث القانون 72.18 “الوكالة الوطنية للسجلات”، التي خول لها صفة المؤسسة العمومية المتمتعة بالشخصية الاعتبارية وبالاستقلال المالي؛
  • أناط بها المشرع مهام مسك وتدبير السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد، ومنح المعرف المدني والاجتماعي الرقمي، والتحقق من صحة المعطيات المدلي بها، ووضع قائمة الأسر المؤهلة للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، إلى جانب أهليتها لتقديم توصيات للحكومة أو إبداء الرأي لهذه الأخيرة وللبرلمان بشأن برامج الدعم الاجتماعي؛
  • يسهر على إدارة الوكالة مجلس إدارة ويسيرها مدير عام؛

وتطبيقا للقانون 72.18، صدر المرسوم رقم 2.20.792 الخاص بالوكالة الوطنية للسجلات[11]، الذي خول لوزارة الداخلية سلطة الوصاية على الوكالة باسم الدولة، ونص على أن مجلس إدارة الوكالة يرأسه رئيس الحكومة أو وزير الداخلية بتفويض من الأول، ويتألف المجلس حسب المرسوم من ممثلي 7 قطاعات حكومية ومن المندوب السامي للتخطيط، ومن 4 شخصيات مستقلة يعنيها رئيس الحكومة باقتراح لوزير الداخلية؛

  • الرافعات الرقمية:

تشكل الرقمنة رافعة للتنمية الاجتماعية المنشودة من خلال ورش الحماية الاجتماعية، كما أن التشريع يعتبر أداة للنهضة الرقمية في أي بلد. لذلك يمكن اعتبار هذه الأخيرة أداة وموضوعا في نفس الآن، والمثال الدال على ذلك هو ما نص القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات، إلى جانب قوانين أخرى صدرت في السنوات الأخيرة.

ويمكن رصد المقتضيات التشريعية في القانون 72.18 الداعمة للتحول الرقمي في العناوين الآتية:

  • المعرف المدني والاجتماعي الرقمي:

من أهم التجديدات التي حملها القانون 72.18 هو تنصيصه على اعتماد المعرف المدني والاجتماعي الرقمي لكل مستفيد من برامج الدعم الاجتماعي المقيد بالسجل الوطني للسكان وبالتبع في السجل الاجتماعي الموحد.

وقد اعتبر هذا القانون المعرف الرقمي وحيدا خاصا بكل شخص ولا يمكن إعادة منحه لأي شخص آخر، وأحال على نص تنظيمي لتحديد خصائصه وكيفيات منحه، بحيث عرفته المادة 10 من المرسوم 2.21.473 الخاص بالسجل الوطني للسكان السالف الذكر بكونه” يتكون من 9 أرقام غير متتالية، يتم إنشاؤها آليا وبكيفية عشوائية، ومن مفتاح للاختبار يتيح مراقبة صحة المعرف”، وأضافت المادة أن المعرف الرقمي لا يحمل ” أي دلالة، ولا يتضمن أي رمز مميز يمكن من الكشف عن هوية صاحبه”[12].

من جهة أخرى، نصت المادة 9 من القانون 72.18 على أن “يستعمل المعرف المدني والاجتماعي الرقمي في جميع السجلات والوثائق التي تمسكها أو تمنحها الإدارات العمومية أو الجماعات الترابية أو الهيئات العمومية التي تشرف على برامج الدعم الاجتماعي، كما يستعمل المعرف كرابط بيني في قواعد معطياتها”[13].

  • السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد، الرقميان:

لقد كان القانون 72.18 واضحا في بيان طبيعة السجل الوطني للسكان، حيث نص في مادته الرابعة أنه رقمي، وهو عبارة عن نظام معلوماتي تسجل فيه المعطيات التي يتضمنها طلب الاستفادة المصاغ على شكل استمارة، وهذه الأخيرة يمكن تحمليها من الموقع الإلكتروني الذي تنشئه الوكالة الوطنية للسجلات، كما تسجل في ذات النظام المعرف المدني والاجتماعي الرقمي لطالب الاستفادة والصورة البيومترية لوجهه والنقط المميزة لبصمات أصابعه وصورة لقزحية عينيه.

ويتيح المرسوم 2.21.582 الخاص بالسجل الاجتماعي الموحد، لطالب التسجيل في السجل الوطني للسكان توجيه طلبه إلكترونيا مقابل وصل.

من جهة أخرى خول القانون 72.18 للوكالة الوطنية للسجلات، بموجب تشريع خاص أو بموجب اتفاقيات، تدبير أي سجل إلكتروني آخر له علاقة بمجال تدخلها، وذلك بناء على تكليف لها من قبل الدولة أو الجماعات الترابية أو أي هيئة أخرى خاضعة للقانون العام.

  • حضور وكالة التنمية الرقمية في حياة الوكالة الوطنية للسجلات:

يقوم التدبير التنظيمي والإداري لمنظومة الاستهداف الاجتماعي على الأدوات الرقمية، كما سلف، لذلك لا تتصور الإدارة المحكمة والناجعة لهذه المنظومة من قبل كل السلطات المتدخلة ومنها الوكالة الوطنية للسجلات، بدون توفير نظام معلوماتي قوي وآمن، وأن تتوفر الوكالة على الإمكان البشري والتقني والمالي اللازم لحسن إدارة هذا النظام.

ولهذه الغاية تنبه المرسوم 2.20.792 الخاص بالوكالة الوطنية للسجلات إلى هذا التحدي، فأحدث لدى مجلس إدارة الوكالة لجنة تقنية ” تتولى إبداء رأيها الاستشاري في الملفات التقنية التي يعرضها عليها المجلس”[14]، لكن المهم هو عضوية وكالة التنمية الرقمية في اللجنة، وهذه الأخيرة أناط بها القانون المحدث لها رقم 61.16[15] قيادة التحول الرقمي للبلاد تحت إشراف القطاع الحكومي الوصي.

2.عناصر الخصاص في تفعيل منظومة الاستهداف الاجتماعي:

يتقدم ورش الحماية الاجتماعية بخطى ثابتة لتحقيق أهدافه المرسومة، تؤطره إرادة كل الفاعلين والسلطات العمومية والسياسات العمومية المعتمدة وفي قلبها التشريعات الهامة التي أغنت المنظومة القانونية الوطنية في السنوات الأخيرة، ومن ضمن هذه التشريعات القوانين التي سلف ذكرها.

لقد شكلت هذه القوانين أداة فعالة لتحقيق النهضة الاجتماعية المأمولة، بالنظر لغنى وتقدم العديد من مقتضياتها، غير أن التحدي الذي ينتصب هنا كما في حالات أخرى هو القدرة على التفعيل الناجع لتلك القوانين التى تظل جامدة تنتظر من يبعث فيها الروح والحياة.

لذلك فتسجيل خطاب عيد العرش الأخير التأخر الذي يعرفه السجل الاجتماعي الموحد والدعوة للإسراع بإخراجه، ليس مرده لعيب في القانون وإنما العيب في تفعيل هذا القانون.

وقد نبه التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2021 على ضرورة الالتزام القوي للسلطات المكلفة بتنفيذ ورش الحماية الاجتماعية، قائلا: “من جهة أخرى، بادرت جلالتكم سنة 2020 بإطلاق مشروع يرمي إلى تعميم الحماية الاجتماعية على جميع المغاربة في أفق2025 ، وهو ورش تستشهد به اليوم العديد من المؤسسات والشركاء الدوليين كمثال يحتذى به. وإذا كان الجدول الزمني لإنجاز هذا الورش الكبير قد حُدد بوضوح، فإن طبيعة الخدمات التي سيتيحها وجودتها تثير الكثير من التساؤلات. فبدون تعزيز الشفافية والالتزام القوي للسلطات المكلفة بتنفيذه، لن يرقى الانخراط في هذا المشروع إلى المستوى المأمول بالنسبة لبعض الفئات من الساكنة المستهدفة، وقد تتكرر إلى حد ما تجربة نظام المساعدة الطبية “راميد”.كما أن تحقيق أهداف هذا الورش يستلزم تعبئة موارد مهمة، في حين تظل قدرة بعض فئات الساكنة على المساهمة ضعيفة، وهوامش ميزانية الدولة محدودة والمشاريع الموازية التي من شأنها أن توفر جزءً من الموارد الضرورية، غير مكتملة إلى اليوم، ويتعلق الأمر أساسا بإصلاح نظام المقاصة الذي بدأ سنة  2013وبإحداث السجل الاجتماعي الموحد، المزمع تنفيذه منذ عدة سنوات”[16].

لذلك فإن ثمة خصاصات تسم التنفيذ الناجع لمنظومة الاستهداف الاجتماعي، وتتجسد أساسا في خصاصات مؤسساتية وتشريعية ثم خصاصات تدبيرية.

  • الخصاص المؤسساتي والقانوني:
  • رئاسة المجلس الإداري للوكالة الوطنية للسجلات:

الوكالة الوطنية للسجلات، بمقتضى المادة 23 من القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات[17]، هي مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية وبالاستقلال المالي، ففي الوقت الذي سكت القانون 72.18 عن تسمية رئيس المجلس الإداري للوكالة، ربما للاعتقاد ساعتها أن المادة 6 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها[18] كفيلة بالجواب، تولى المرسوم 2.20.792 الخاص بالوكالة الوطنية للسجلات ذلك بتنصيص مادته الثانية أنه” يرأس مجلس إدارة الوكالة الوطنية للسجلات رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية التي يفوض إليها ذلك”[19]، وهي صياغة معيبة وشاردة عن منطوق المادة 6 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها التي تنص على ما يلي:” يرأس رئيس الحكومة المجالس الإدارية للمؤسسات العمومية، إلا إذا قضى نص تشريعي بخلاف ذلك. وله أن يفوض رئاسة اجتماعات المجالس التي يعود إليه اختصاص رئاستها لأي سلطة حكومية أخرى يعينها لهذا الغرض”[20]. ووجه العيب والشرود أن المادة 6 المذكورة جعلت رئاسة رئيس الحكومة للمجالس الإدارية للمؤسسات العمومية هي الأصل بدليل هذه الصيغة الواضحة التي لا لبس فيها”:” يرأس رئيس الحكومة المجالس الإدارية للمؤسسات العمومية، إلا إذا قضى نص تشريعي بخلاف ذلك“، بمعنى أن رئاسة المجالس الإدارية للمؤسسات العمومية هي مخولة لرئيس الحكومة أو عند الاقتضاء لسلطة حكومية معينة، وفي حالة رئاسة رئيس الحكومة فيمكنه تفويض رئاسته لسلطة حكومية يعينها لهذا الغرض، بما يفيد أن رئاسة المجلس الإداري للوكالة الوطنية للسجلات تقع في ”منزلة بين المنزلتين”، فلا هي لرئيس الحكومة أصالة والتي يمكن تفويضها لسلطة حكومية أخرى ولا هي لهذه السلطة ابتداء.

إن الوكالة الوطنية للسجلات وهي مؤسسة عمومية، تنهض بمهام إدارة منظومة حيوية ومهيكلة واستراتيجية هي منظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي- حيث تشكل هذه المنظومة مكونا مركزيا ضمن ورش الحماية الاجتماعية- لقمين أن يتولى مجلسها الإداري رئيس الحكومة أصالة، ولكن مرسوم الوكالة في غياب تأطير للقانون 72.18 كان له رأي آخر.

  • التأخر في تنصيب الوكالة الوطنية للسجلات:

مضى على صدور القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات، سنتان إلا أسبوعا( 13/08/2020)، كما مضى 18 شهرا بالتمام والكمال( 08/02/2021) على صدور القانون التنظيمي رقم 20.57 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقــم 02.12 المتعلق بالتعيـين في المناصب العليـا[21]، الذي صنف الوكالة ضمن المؤسسات العمومية الاستراتيجية التي يعين مدراؤها العامون في المجلس الوزاري، دون أن يعين المدير العام للوكالة أو تنصب، وهو ما يؤكد تأخرا غير مفهوم، خصوصا إذا علمنا أن مؤسستين عموميتين استراتيجيتين أخريين صدر قانوناهما متأخرين عن صدور القانون المحدث للوكالة الوطنية للسجلات، لكن تم تعيين مديريهما العامين خلال الاجتماع الأخير للمجلس الوزاري المنعقد يوم الأربعاء 13/07/2022، ويتعلق الأمر ب:

  • الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية:

صدر القانون رقم 82.20 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، في الجريدة الرسمية يوم 26/07/2021[22]، وصدر القانون التنظيمي رقم 21.51 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقـم 02.12 الذي صنفها ضمن المؤسسات العمومية الاستراتيجية يوم 27 يناير 2022[23]؛

  • الوكالة الوطنية للمياه والغابات:

صدر القانون رقم 52.20 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية للمياه والغابات، في الجريدة الرسمية يوم 22/07/2021[24]، وصدر القانون التنظيمي رقم 21.51 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقـم 02.12 الذي صنفها ضمن المؤسسات العمومية الاستراتيجية يوم 27 يناير 2022[25].

لعل التأخر في تنصيب الوكالة الوطنية للسجلات وتعيين مديرها العام، يجد له متكأ في الفسحة الذي وفرته المادة 43 من القانون 72.18 والتي نصت أنه “في انتظار تنصيب أجهزة الوكالة، وبصفة انتقالية، تتولى الإدارة ممارسة المهام المنصوص عليها في البنود من 1 إلى 7 من المادة 25 من هذا القانون”[26]، والمقصود بالإدارة هنا هو السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، حسب منطوق المادة الخامسة من المرسوم رقم 2.20.792 الخاص بالوكالة الوطنية للسجلات[27].

ولعل الإخلال القانوني البين فيما يتصل بإخراج الوكالة الوطنية للسجلات إلى حيز الوجود، يجد سنده في منطوق المادة 45 من القانون 72.18 التي نصت على أنه” تدخل أحكام هذا القانون المتعلقة بإحداث الوكالة الوطنية للسجلات حيز التنفيذ بعد نشر النصوص التنظيمية المتعلقة بها بالجريدة الرسمية، في أجل لا يتجاوز سنة من تاريخ نشر القانون بالجريدة الرسمية[28]، ونحن اليوم أمام سنتين إلا أسبوعا والوكالة ما تزال في علم الغيب.

  • الخصاص القانوني:

أما على المستوى التشريعي، فإن أبرز ما يمكن إثارته من خصاص يكمن في العناصر الآتية:

  • المعرف المدني والاجتماعي الرقمي، بين الوحدة والازدواجية:

جدير بالإشارة أن تجارب عديدة سبقتنا إلى مثل هذا الاختيار، بحيث منحت مواطنيها المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي أو عموم الخدمات العمومية هويات رقمية، مثل تجارب الهند والدانمارك وإستونيا والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان.

وعلى أي حال فاعتماد المعرف الرقمي في الحالة المغربية هو استجابة محمودة – وإن تأخرت عن وقتها- لبعض توصيات المؤسسات الوطنية التي أنجزت تقارير بخصوص التحول الرقمي للمغرب، ومن بينها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لكن المثير للملاحظة هو أن القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية نص في المادة 27 منه على أنه ” تعتمد هذه المرافق( أي المرافق العمومية) على رمز تعريفي موحد خاص بكل مرتفق، يستعمل في جميع أنظمتها المعلوماتية ويمكن من تيسير تبادل المعلومات بينها “[29]، فهل يعني الرمز التعريفي الموحد هنا ما يعنيه “المعرف المدني والاجتماعي الرقمي” في القانون 72.18؟ إذا كان المدلول واحدا فهو عين الصواب وإن أغفل المشرع بيان التطابق، وإلا فهو ازدواجية تعريفية رقمية للمواطن معيبة يتعين على المشرع الإسراع بعلاجها.

  • أي التقائية بين مشروع السجل الاجتماعي الموحد ومشروع نظام تقييم الإعاقة؟:

أثار التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان برسم سنة 2021، ما اعتبره غيابا للالتقائية بين مشروع السجل الاجتماعي الموحد ومشروع نظام تقييم الإعاقة، فقال: “فإن الآلية الوطنية تسجل عدم وجود التقائية بين مشروع السجل الاجتماعي الموحد ومشروع نظام تقييم الإعاقة، حيث إن قانون السجل الاجتماعي الموحد لم يدمج مكون الإعاقة في معادلة احتساب المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ويعزى ذلك لغياب نظام معلوماتي خاص بالإعاقة”[30]، وهو ما يقتضي الدراسة والمعالجة إن لزم الأمر.

  • الخصاص التدبيري:
  • تأخر صدور النصوص التنظيمية:

أحال القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات[31]، على 9 نصوص تنظيمية، وهي:

  1. تتميم لائحة المعطيات ذات الصلة بالوثائق الثبوتية المصاحبة لطلب تقييد أي شخص في السجل الوطني للسكان( المادة 6)؛
  2. الكيفيات التي وفقها يطلب المغاربة والأجانب المقيمون بالمغرب طلب قيدهم في السجل الوطني للسكان(المادة7)؛
  3. تحديد خصائص المعرف الرقمي وكيفيات منحه(المادة 8)؛
  4. الصيغة الحسابية التي يحدد وفقها تنقيط الأسر بناء على المعطيات المرتبطة بظروفها الاجتماعية والاقتصادية(المادة 11)؛
  5. كيفيات تقييد الأسر في السجل الاجتماعي الموحد وتحيين المعطيات المتعلقة بها(المادة 12)؛
  6. لائحة المعطيات الاجتماعية والاقتصادية للأسر( المادة 14)؛
  7. الكيفيات التي وفقها يطلب أي فرد من أفراد الأسرة المقيدة في السجل الاجتماعي الموحد تشطيب تقييده بهذا السجل( المادة 17)؛
  8. الكيفيات التي وفقها يتم توفير خدمات التحقق من صدقية المعطيات المصرح بها لدى الإدارات العمومية والجماعات الترابية والهيئات العمومية والخاصة، من قبل الوكالة بناء على طلب تقدمه هيئة وسيطة معتمدة لذلك( المادة 28)؛
  9. الكيفيات التي وفقها يصرح أي فرد مقيد بالسجل الوطني للسكان وبالسجل الاجتماعي الموحد لدى الوكالة بكل تغيير يطرأ على المعطيات التي سبق التصريح بها أثناء التقييد( المادة 30)؛

وإذا استحضرنا التفويض الذي منحه القانون 72.18 للإدارة( أي السلطة المكلفة بالداخلية) بموجب المادة 43 منه:”في انتظار تنصيب أجهزة الوكالة، وبصفة انتقالية، تتولى الإدارة ممارسة المهام المنصوص عليها في البنود من 1 إلى 7 من المادة 25 من هذا القانون”[32]، وبالرجوع للبنود السبعة المشار إليها، يظهر الإخلال المترتب عن التأخر في إصدار كل النصوص التنظيمية الثمانية والتي لا يمكن الشروع في السجل الوطني للسكان بدون توفر أغلبها(مثل النصوص التنظيمية التي أحالت عليها المواد 6 و7 و8 و30).

ويزداد الإخلال وضوحا عندما نعود للمادة 45 من القانون 72.18 التي نصت على أنه” تدخل أحكام هذا القانون المتعلقة بالسجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد حيز التنفيذ فور نشر النصوص التنظيمية المتعلقة بهما بالجريدة الرسمية”[33]، وطالما أن النصوص التنظيمية المعنية لم تنشر بعد فإن الإدارة( في غياب الوكالة) في حل من هذا المقتضى !، لكن طالما أن الإدارة هي المسؤولة عن إعداد ونشر أغلب تلك النصوص( في غياب الوكالة مرة أخرى) فإنها تصبح في غير حل!، وفي كل الأحوال فإن استمرار الفترة الانتقالية التي وفرتها المادة 43 من القانون 72.18 بدون سقف من المشرع إلى جانب التأخر في تنصيب الوكالة هما أصل مجمل الآفات المسجلة.

  • المرحلة الأولى للسجلين السكاني والاجتماعي الموحد:

نصت المادة 14 من المرسوم 2.21.473 الخاص بالسجل الوطني للسكان[34]، والمادة 10 من المرسوم 2.21.582 الخاص بالسجل الاجتماعي الموحد[35]، بصيغة موحدة أنه ” تدخل مقتضيات هذا المرسوم حيز التنفيذ، في مرحلة أولى بعمالة الرباط وبإقليم القنيطرة، ويعمم تنفيذها على باقي عمالات وأقاليم المملكة بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية”.

وهذا اختيار موفق، يستبطن ضرورة تجريب إرساء منظومة السجل السكاني والسجل الاجتماعي الموحد، وتلافي ما يمكن أن يمس بجودتها، قبل الانتقال للتعميم وطنيا.

وهكذا وبمقتضى المادتين المذكورتين، صدر قرار وزير الداخلية رقم 108.22 المؤرخ في 10/01/2022 والمتعلق بتحديد الشروع في العمل بالسجل الوطني للسكان بإقليم القنيطرة، والذي بموجبه سيشرع في العمل بالسجل الوطني للسكان ابتداء من يوم 14 يناير 2022 بالنسبة لإقليم القنيطرة[36].

وقد بلغت حصيلة التقييد في السجل الوطني للسكان قرابة 120.000 شخص، حسب جواب لوزير الداخلية في جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب المنعقدة يوم 30 ماي الأخير( بعد انطلاق المرحلة الأولى بإقليم القنيطرة التي مضى عليها إلى غاية تاريخه زهاء 5 أشهر) [37].

غير أنه لابد من إثارة الملاحظتين الآتيتين:

  • إن البدء بالسجل الوطني للسكان، وتأجيل السجل الاجتماعي الموحد، وفي إقليم واحد هو إقليم القنيطرة، واستمرار هذه العملية إلى اليوم( قرابة 7 أشهر)، سيطيل أمد الفترة الأولى التي ينبغي بمنطق الأشياء ألا تطول أكثر من اللازم؛
  • ليس مفهوما الاكتفاء في المرحلة الأولى بإقليم واحد هو إقليم القنيطرة، والحال أن مرسومي السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد قد نصا على تنفيذ هذه المرحلة بعمالة الرباط وبإقليم القنيطرة، بما يفيد التزامن وليس التوالي الزمني، وإلا لقال المرسومان” …في مرحلة أولى بإقليم القنيطرة ثم بعمالة الرباط” بدلا من الصيغة الحالية” في مرحلة أولى بعمالة الرباط وبإقليم القنيطرة”، وهو ما يؤدي إلى الاستنتاج السابق؛
  • الحاجة لخارطة طريق زمنية محددة:

إن إرساء منظومة للدعم الاجتماعي، كما أطرها القانون 72.18، بطبيعتها التقدمية والهيكلية والاستراتيجية، كان يقتضي خارطة طريق زمنية دقيقة محددة المراحل، يفضي بعضها إلى بعض، استلهاما من فلسفة التوجيه الملكي في الخطاب الافتتاحي للسنة التشريعية 2021/2020 والذي كرسه القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية[38]، الذي ألزم السلطات العمومية، كما سلفت الإشارة، بالعمل على تعميم الحماية الاجتماعية داخل أجل خمس سنوات وفق الجدولة الزمنية الآتية:

  • تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض خلال سنتي 2021 و2022؛
  • تعميم التعويضات العائلية خلال سنتي 2023 و2024؛
  • توسيع الانخراط في أنظمة التقاعد، وتعميم الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل سنة 2025؛

غير أن القانون 72.18 ترك الحبل على الغارب للسلطات الموكول لها إنفاذ هذا القانون، فلا هو حدد سقفا زمنيا لإخراج النصوص التنظيمية التي نص عليها، ولا هو حدد سقفا زمنا أيضا لإرساء الوكالة الوطنية للسجلات وإرساء السجلين، والنتيجة الحتمية هي سير مشروع منظومة الاستهداف الاجتماعي بالإيقاع الذي يراه المدبرون لا بالسرعة التي تقتضيها الثورة الاجتماعية في المغرب..

   خاتمة:

إن منظومة الاستهداف الاجتماعي، وفي قلبها الورش المركزي المتمثل في السجل الاجتماعي الموحد، لكون هذا الأخير هو الغاية والمقصد وما الوكالة والسجل السكاني إلا أداتين، لمرتكز كبير لورش الحماية الاجتماعية الذي تبصم فيه بلادنا اليوم بصمتها التاريخية، لكن تأخر تفعيل منظومة الاستهداف الاجتماعي، كما بسطنا مؤشراته سابقا، يقتضي إثارة نقطة نظام كبيرة، وقد فعل ذلك جلالة الملك في خطاب العرش الأخير، فهل تتداعى السلطات المعنية إلى القيام بالمتعين وفق خارطة طريق واضحة المعالم؟ ذلك ما نرجوه ونتمناه.

[1]  الجريدة الرسمية عدد 6975 بتاريخ 5 أبريل 2021، ص 2178؛

[2]  الخطاب الملكي في افتتاح السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية العاشرة؛

[3]  لصالح 22 مليون مستفيد إضافي، من التأمين الأساسي على المرض، سواء ما يتعلق بمصاريف التطبيب والدواء، أو الاستشفاء والعلاج

[4]  تشمل ما يقارب سبعة ملايين طفل في سن الدراسة، تستفيد منها ثلاثة ملايين أسرة؛

[5]  حوالي خمسة ملايين من المغاربة، الذين يمارسون عملا، ولا يستفيدون من معاش

[6]  بالنسبة للمغاربة الذين يتوفرون على عمل قار

[7]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[8]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[9]  الجريدة الرسمية عدد 7011 بتاريخ 9 غشت 2021، ص 6001؛

[10]  الجريدة الرسمية عدد 7011 بتاريخ 9 غشت 2021، ص 6001؛

[11]  الجريدة الرسمية عدد 6985 بتاريخ 10 ماي 2021، ص 3328؛

[12]  الجريدة الرسمية عدد 7011 بتاريخ 9 غشت 2021، ص 6001؛

[13]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[14]  الجريدة الرسمية عدد 6985، بتاريخ 10 ماي 2021؛ ص 3328؛

[15]  الجريدة الرسمية عدد 6604 بتاريخ 14 شتنبر 2017، ص 5058؛

[16]  التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2021، ص 343/17

[17]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[18]  الجريدة الرسمية عدد 6348 بتاريخ 2 أبريل 2015، ص 3515؛

[19]  الجريدة الرسمية عدد 6985 بتاريخ 10 ماي 2021، ص 3328؛

[20]  الجريدة الرسمية عدد 6348 بتاريخ 2 أبريل 2015، ص 3515؛

[21]  ج.ر عدد 6959 بتاريخ 8/2/2021، ص 1100؛

[22]  الجريدة الرسمية عدد 7007 بتاريخ 26 يوليوز 2021، ص5697؛

[23]  الجريدة الرسمية عدد 7060 بتاريخ27 يناير 2022، ص370؛

[24]  الجريدة الرسمية عدد 7060 بتاريخ27 يناير 2022، ص5639؛

[25]  الجريدة الرسمية عدد 7060 بتاريخ27 يناير 2022، ص370؛

[26]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[27]  الجريدة الرسمية عدد 6985 بتاريخ 10 ماي 2021، ص 3328؛

[28]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[29]  الجريدة الرسمية عدد 7006 بتاريخ 22 يوليوز 2021، ص 5661؛

[30]  ص 134

[31]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[32]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[33]  الجريدة الرسمية عدد 6908، بتاريخ 13 غشت 2020؛ ص 4360؛

[34]  الجريدة الرسمية عدد 7011 بتاريخ 9 غشت 2021، ص 6001؛

[35]  الجريدة الرسمية عدد 7011 بتاريخ 9 غشت 2021، ص 6003؛

[36]  الجريدة الرسمية عدد7056 بتاريخ 13 يناير 2022، ص 163؛

[37]  الجريدة الرسمية للبرلمان، نشرة مداولات مجلس النواب، عدد 147، بتاريخ 07/06/2022، ص 9680؛

[38]  الجريدة الرسمية عدد 6975 بتاريخ 5 أبريل 2021، ص 2178؛


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.